بين الإرهاب وحرية التعبير: جدل بريطاني حول حظر “حركة فلسطين”

ترجمة – نبض الشام
في خضم تصاعد العنف السياسي والاحتجاجات المثيرة للجدل في بريطانيا، يجد البرلمان نفسه أمام معضلة خطيرة: كيف يمكن حماية الديمقراطية من التهديدات دون تحويل الاحتجاج السلمي إلى جريمة إرهابية؟ برلمانيان بريطانيان، رغم اختلاف موقفيهما في التصويت على حظر منظمة “حركة فلسطين”، يطرحان رؤية مشتركة لإنهاء الفوضى القانونية والسياسية الحالية. فالحظر بصورته الراهنة لا يحمي الاحتجاج ولا يجعل تطبيق القانون قابلاً للتنفيذ، بل يهدد أسس الحرية السياسية نفسها.
تهديد متصاعد للحريات
يؤكد الكاتبان أن الديمقراطية والحريات المدنية في بريطانيا تتعرضان لتهديد حقيقي. فعدد منظمات العنف والترهيب يتزايد، فيما يعيش النواب تحت حصار التهديدات المستمرة، ويُنصحون بتجنب اللقاء المباشر مع المواطنين، في وقت ما زال فيه البرلمان يرزح تحت صدمة اغتيال نائبين خلال العقد الأخير. أما جماعات اليمين المتطرف، فتواصل تأجيج احتجاجات مناهضة للمهاجرين، ما يفاقم الانقسام وعدم الاستقرار.
فوضى الحظر واتساع دائرة الاتهام
بفعل تصاعد التطرف المحلي والخارجي وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الأعمال المباشرة أكثر ميلاً للعنف والتدمير بهدف لفت الانتباه. ولجأت الحكومة إلى “الحظر” كأداة رئيسية، لكن مع اقتراب عدد المنظمات المحظورة من المئة، ووصم مئات البريطانيين بالإرهاب في أسابيع قليلة، بات من الصعب الحفاظ على التوازن في نظر الرأي العام. والنتيجة: مساواة من يرفع لافتة سلمية بمن يزرع قنبلة أو يطلق النار.
ثلاث قناعات أساسية
الكاتبان يعلنان عن ثلاث قناعات مشتركة:
لا أحد، بمن فيهم السياسيون والشرطة، يجب أن يواجه تهديدات عنيفة لمجرد أداء عمله.
من حق الجميع الاحتجاج والمشاركة في تعطيل سلمي دون وضعهم في خانة “داعش” أو “القاعدة” أو “الجيش الجمهوري الإيرلندي”.
يجب أن تكون القوانين التي تحمي الحقوق المدنية وتمنع الترهيب محايدة تجاه القضايا، لتضمن سماع جميع الأصوات وتمكين النواب من أداء مهامهم.
ضرورة الحسّ السليم
يطالب الكاتبان الحكومة بالتحلي بالمنطق والوضوح. فبدلاً من مطاردة أشخاص يرفعون لافتة تضامناً مع فلسطين (حتى لو لم يكونوا أعضاء في “حركة فلسطين”) ينبغي توجيه الجهود نحو من يحرضون على العنف المباشر. الناس يجب أن يكونوا أحراراً في الاحتجاج على ما يحدث في غزة، بدلاً من أن يتحول البرلمان إلى ساحة للصراع على الحريات.
ثغرات قانونية خطيرة
يشدد الكاتبان على أن الحكومة مطالَبة بمزيد من الشفافية في كيفية حماية الحقوق الدستورية. فحرية التعبير لا يمكن أن تبقى قائمة إذا عاش نصف المجتمع في خوف من الاستهداف بسبب الرأي. اللورد ديفيد أندرسون كان قد دعا إلى أن يكون الحظر مؤقتاً وموجهاً فقط ضد الإرهابيين الحقيقيين الذين يخططون لقتل المدنيين الأبرياء، وهو ما يتفقان معه.
لكن طريقة فرض الحظر حالياً (عبر مناقشات برلمانية قصيرة ودمج “حركة فلسطين” مع مجموعات يمينية متطرفة في تصويت واحد) لا تستوفي المعايير الديمقراطية. لذلك يجب على الحكومة أن تبذل جهداً أكبر لإقناع المواطنين بشرعية قراراتها.
ما بين الإرهاب والاحتجاج
تكشف هذه القضية عن تناقضات وثغرات في القانون: فالتشريعات الخاصة بالنظام العام تركز على الممارسات، وأوامر الحظر تستهدف جماعات بعينها، بينما لا يوجد إطار يواجه المنظمات التي تدفع أعضائها عمداً للتصعيد والترهيب. وهذا ما يخلق مناخاً من العنف يهدد اللاجئين واليهود والمسلمين والسود والنساء على حد سواء.
الحاجة إلى تشريع جديد
التوازن المطلوب يعني إلغاء جرائم مثل “التشجيع المتهور على دعم” جماعة محظورة، والتركيز على من ينظمون العنف. كما أن وضع تعريف واضح لما يشكل تهديداً للديمقراطية (بعيداً عن مجرد انتقاد سياسات الدولة) سيحافظ على مصداقية تهم الإرهاب. ويؤكد الكاتبان أن هناك حاجة إلى جريمة جديدة منفصلة تعترف بخطر الجماعات التي تشجع العنف والترهيب، بما يفصل بين العمل السلمي المباشر وبين الإرهاب والتدمير.
خطر المساواة بين السلمي والإرهابي
البديل (أي القبول بأن الإيذاء الفردي خطر محتوم لأي احتجاج) أمر غير مقبول. فالإرهاب يختلف عن ترهيب الخصوم، لكن كليهما يجب أن يُجرَّم. إن الفشل في التفريق بينهما يشوه تعامل الشرطة مع الاحتجاجات، ويضعف الحق المشروع في التعبير السلمي.
نحو ديمقراطية أكثر أماناً
الوضع ليس بسيطاً: فليس مجرد محاولة سلطوية من الحكومة ولا مجرد نية صادقة لمنع البلطجة، بل أزمة حقيقية تعني أن الشاهد السلمي يُساوى بالإرهابي. هذا الوضع غير قابل للاستمرار. كما أن تجاهل التهديد الذي يعصف بالنقاش الديمقراطي والاختلاف المشروع ليس خياراً. من دون تحرك عاجل، سيكسب المعركة أولئك الذين يملكون الصوت الأعلى والوسائل الأكثر فتكاً.
في النهاية، القضية تتجاوز حركة فلسطين” لتطرح سؤالاً أوسع: كيف يمكن للديمقراطية أن تحمي نفسها دون أن تتحول إلى سلاح ضد حرية التعبير؟ الحل ليس في خنق الاحتجاج، بل في التفريق بوضوح بين السلمي والإرهابي، بين المعترض والمخرّب. وحدها الشفافية والعدالة قادرتان على استعادة ثقة المواطنين، وضمان أن يظل الحق في الاحتجاج ركيزة من ركائز النظام الديمقراطي.
(كاتبي المقال): ستيلّا كريسي نائبة حزب العمال والتعاوني عن دائرة وولثامستو. وبيتر هاين كان نائب حزب العمال عن دائرة نييث من عام 1991 إلى عام 2015، ويشغل حالياً عضوية مجلس اللوردات.




